Dark Light

ان كان هناك خلاصة يجب استنتاجها من انتخابات 2019 فهي أنه ليس من الصعب التنبؤ بنتائجها، فالرغبة بإحداث تغيير سياسي بعد 2011 تلاشي بسبب الوضع الاقتصادي والسياسي المتردي والغير المستقر، إلى جانب العديد من الاحداث الاجتماعية والسياسية التي اثرت على مسار تونس ما بعد الثورة.
الفوارق بين الأجيال
إن أثبتت هذه الانتخابات شيئًا ما، فسيكون الهوة بين جيلين لهما رؤى وتوقعات مختلفة، جيلين يطلق عليهما علم الاجتماع الحديث “جيل طفرة المواليد” و” جيل زاد”. فلقد افرزت الثورة تطلعات متباينة، ويمكننا ملاحظة هذا التنوع من خلال نتائج انتخابات 2019. فمن ناحية، هناك الرؤية الكلاسيكية القائمة على المطالب التقليدية المتعلقة بالإنجازات الاقتصادية والاجتماعية. ومن ناحية أخرى، هناك الرؤية الجديدة المبنية على البدائل الغير التقليدية. وتسعى هذه الموجة إلى وضع نظام حكم جديد وتشكيل نسيج اجتماعي مغاير.
من هم وماهي مطالبهم؟
لوضع تفسير متماسك، يجب أن نفهم تاريخ كلا الجانبين. فجيل “طفرة المواليد” هم الأشخاص الذين ولدوا بين عامي 1946 و1964، حيث عاشوا فترة ما بعد الحرب، مما يعني أنهم كانوا أكثر من تحمل مصاعب وآثار الحرب والاستعمار. في حين أن “جيل زاد” هو مجموعة الأشخاص الذين ولدوا في منتصف أو أواخر التسعينيات وأوائل أو منتصف الألفية الثانية ويكونون أولئك الذين نشأوا في عهد بن علي، وكانوا شبابًا خلال الثورة.
الفرق بين كلا الجيلين واضح فلقد مرا كلهما بأحداث مختلفة ولكنها تعتبر جذرية وهذا ما ينجر عنه بالضرورة مخاوف وتطلعات مختلفة. على سبيل المثال، شعر “جيل طفرة المواليد” بالتهديد بسبب موجة الأزمات التي هددت سبل عيشهم وأمنهم. حيث خلقت مرحلة ما بعد الثورة مشهدًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا غير مستقر، فطوال 9 سنوات الماضية مرت البلاد بتحول بطيء مما خلق وضعا اجتماعياً وسياسياً متوتراً. وبالتالي، يمكننا أن نلاحظ انعكاسات هذه الاضطرابات على الوضع العام للبلاد من خلال نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2019، حيث صوت 45.3٪ من هم بين سن الـ 46 و60 عامًا (فما فوق) عاطفيا وكذلك عن وعي لصالح نبيل القروي الذي وعدهم بـ “عقد اجتماعي ضد الفقر” وتحول اقتصادي معاصر.

في حين أن الجيل الشاب الذي لا يزال يحمل روح الثورة، كان يبحث عن بدائل ثورية تهز المشهد الاجتماعي والسياسي وتغييره. حيث يبحث “الجيل زاد” عن شخص يبدؤون معه صفحة جديدة؛ شخصا يرغب في تغيير نظام الحكم القديم بأخر ثوري جديد، وتظهر هذه الرغبة في عدد الأصوات الذي حصل عليها قيس سعيد حيث صوت له 57.3 ٪ من هم بين سن 18 و45 سنة. وهذه الأصوات بالضرورة عبرت عن غضب هذه الفئة الشابة من نظام يعتقدون أنه فشل في تحقيق أهداف الثورة.
حيث يطمح هذا الجيل إلى بناء نظام خالٍ من الفساد، يقوم على التوزيع العادل للثروات. لذلك، صوتوا لصالح قيس سعيد الذي اقترح نموذج دولة جديد قاعدته السلطة المعكوسة حيث ينبثق الحكم من الجمعات المحلية حتى يصل إلى قمة الدولة. وستخضع الجمعات المحلية لقوانين خاصة تعكس خصوصية كل منطقة من التراب التونسي وذلك من أجل تفعيل الحوكمة المحلية واللامركزية. كما تعهد بمكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية.
سقوط رمزية “الأب”
كانت نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2019 إعلان علني لسقوط رمزية “الأب” التقليدية وبزوغ عصر جديد من الرموز.
في هذه الحقبة الجديدة من الرمزية، سيكون نبيل القروي “الراعي” – الرئيس الأوحد الذي يهتم بتلبية احتياجات شعبه، والذي سيتفهم يأسهم واحباطهم، كما سيعمل على تحسين وضعيتهم الاقتصادية والتشغيلية. بالإضافة إلى ذلك، سيكون ذلك الرئيس المقرب منهم والذي أمضى السنوات الثلاث الأخيرة في تكريس وقته لتزويدهم بالضروريات الحياة التي فشلت الدولة والحكومة التونسية في توفيرها.
في حين سيكون قيس سعيد “قائد الحركة الجديدة” – فبالنسبة لاتباعه، فهو صوت المعرفة. الشخص الذي سيقدم لهم مستقبلًا مثاليًا جديدًا، مستقبلا لا يوجد فيه مكان للفساد؛ أين تكون السلطة للناس بموجب القانون والدستور. فمن خلال قيس سعيد، ستتحقق أحلامهم الطامحة لتحقيق العدل والانصاف لجميع مكونات المجتمع دون تفرقة. فبالنسبة لأولئك الذين صوتوا له يمثل قيس سعيد الرئيس المتشبع بالقانون والذي سيحمى الدولة الجديدة بمقتضى الدستور وبدعم من الشعب.
ربما سقط “الأب” كرمز سيطر على الساحة السياسية التونسية لعقود طويلة ولكن رموز جديدة ستظهر بعد الانتخابات الأخيرة، حيث تتجلى ضرورة وجود شخصية إرشادية، بغض النظر عن شكلها من خلال الخيارات الشعبية بعد الانتخابات. فلقد اثبت التاريخ السياسي في تونس أن هناك دائما حاجة لشخص ما و / أو شيء ما لمساعدة الناس على السير في الطريق الصحيح وللتغلب على المصاعب لأنه وفي التصور الشعبي؛ الشعب لا يقدر على تقرير مصيره لوحده وبالتالي فهو في حاجة دائمة إلى ذلك القائد الفريد من نوعه لرعايتهم ولقيادتهم.
الإعلام المحلي فقد القدرة على التنبؤ.
تتمثل مشكلة وسائل الإعلام في تركيزها بشكل كبير على دعم وترويج النموذج الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي صوت له الناخبون في انتخابات 2014. حيث دفعهم هذا الاهتمام المبالغ فيه بنتائج وتداعيات انتخابات 2014 الرئاسية منها والتشريعية إلى فقدان قدرتهم على قراءة نوايا الناخبين وبذلك التنبؤ بنتائج انتخابات 2019.
حيث لم يتمكنوا من دراسة وقراءة النوايا الانتخابية لأولئك الذين قرروا مقاطعة الانتخابات السابقة إلى جانب الذين لم ينخرطوا في واجب الاقتراع بسبب عدم اهليتهم العمرية أو بسبب اختيارهم لعدم التسجيل في الانتخابات.
كما تواصل اهتمام وسائل الإعلام التونسية بالصراعات الثنائية الكلاسيكية بين اليسار واليمين، الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين والمحافظين. وبالتالي، لم يتمكنوا من التنبؤ بأن الاختلافات الكلاسيكية لم تعد من اهتمامات المجتمع التونسي. وهذا يعكس حقيقة أن وسائل الإعلام ليست متنوعة بالقدر الذي تحسبه. حيث يعيش الصحفيون في برجهم العاجي، منفصلين عن المجتمع وغافلين عن مطالبه واحتياجاته. حيث أنهم غير مدركين بأنهم لم يعودوا يمثلون غالبية الناس. وهذا دفعهم لارتكاب أخطاء عديدة عند تغطية نتائج انتخابات 2019 وذلك عبر نشر اخبار ومعلومات موجهة وغير محايدة إلى جانب استعمال مصطلحات غير موضوعية عند الحديث عن الانتخابات. فعلى سبيل المثال، تستخدم العديد من وسائل الإعلام مصطلحات مثل أخبار صادمة، ونتائج غير متوقعة، وانتخابات مأسوية. وبالتالي، هم يرفضون قبول أن الفجوة بينهم وبين الشعب موجودة. فوسائل الاعلام التونسية تتجاهل حقيقة أن ما يمثلونه هو فقط ما يعبر عنه بالأقلية المهيمنة التي تسيطر على المشهد الإعلامي والسياسي، على الرغم من كونها تمثل جزء صغير من إجمالي الشعب التونسي.
يبحث التونسيون اليوم عن مرشحين يفهمونهم ويشبهونهم سواء كان ذلك في الانتخابات الرئاسية أو في الانتخابات التشريعية. فالفرد التونسي يريد شخصا يكون قادرا على فهم تطلعاته سواء من أجل تحقيق مستويات حياة أفضل أو لتحقيق العدالة والتنمية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الفائزين بانتخابات 2014 والذين شكلوا البرلمان والحكومة في السنوات الخمس الأخيرة مروا بانقسامات ونزاعات عديدة مما أضعف صفوفهم وبرامجهم، وبالتالي تعمقت الفجوة بينهم وبين ناخبيهم بشكل خاص وبينهم وبين الشعب التونسي ككل بشكل عام. كما انعكس ذلك على نوعية ونتائج انتخابات 2019، مما أدى إلى ظهور مدرسة سياسية جديدة تخلى فيها مريدوها عن أساليب الحملات الانتخابية التقليدية حيث رفض بعضهم التمويلات الانتخابية إلى جانب عدم تقديمهم لبرامج انتخابية كلاسيكية بل عمدوا الى تقديم نماذج اجتماعية وسياسية واقتصادية بديلة.
وعلى الرغم من هذه التغييرات فإن وسائل الإعلام أخطأت في قراءة هذه العلامات واعتبرت هذه الممارسات غير التقليدية وغير مجدية مما انعكس على قدرتهم على توقع نتائج انتخابات 2019.
ما الذي علينا توقعه؟
بغض النظر عن النتائج، فستشهد تونس حقبة حكم جديدة. حيث سيطرأ على المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي تغييرات جذرية؛ فمن المتوقع أن تندثر تحالفات في حين ستتشكل أخرى. فلقد اختار المجتمع التونسي، على نحو مفاجئ ولكن متوقع خوض معركة مختلفة عن تلك التي يخوضها السياسيون وأحزابهم.
ففي انتخابات 2019، لم يكن الأمر يتعلق بالكم أو بمفهوم الأغلبية، ولكن كان بالأحرى يتمحور حول مفهوم الفردية. وربما، ستكون هذه الانتخابات هي ميلاد الديمقراطية الفردية، أين يكون المواطن الفرد هو العنصر الأكثر أهمية في المسار الديمقراطي. وبالتالي، يكون الرمز الأوحد في هذا المسار المبني على هذه الاختلافات الاجتماعية والسياسية الجديدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts
Total
0
Share