تأثير جائحة الكورونا على مستقبل البحث العلمي بمنطقة المغرب العربي

The EU Green Deal and the Maghreb Countries

Islamist Parties In The Arab Region – What Do They Stand For And Should They Be Included?

أدت جائحة الكورونا إلى قلب موازين الاحتياجات بالنسبة لمنطقة المغرب العربي و تقهقر اختصاصات كنا نظنها حيوية كالتنمية البشرية و الإثراء الفاحش لصناع المحتوى دون أن يكون لهم دور ثقافي أو معرفي يذكر سوى تشجيع شريحة الشباب على قتل الوقت بأنشطة لا تساهم سوى في تبلد فكرهم و ركوده على حساب دور محدود و محتشم للعلماء و الباحثين ربما لطبعهم المتحفظ الذي جعلهم يعملون بصمت كبير تاركين للتاريخ مهمة تخليد انجازاتهم دون إنتظار عرفان بالجميل أو أو مقابل مادي يذكر و هو ما دفعني أن أحاول عبر هذا المقال محاولة التركيز على حركة تطور البحث العلمي اثر وباء الكورونا لا لحاجتنا الماسة لهم في الوقت الراهن و إنما كنوع من الاقرار الرمزي لما بذلوه و ما يبذلونه من أجلنا منذ بداية تشكل التاريخ البشري إلى يوم يبعثون.

عندما نطلع على مجموعة المقالات الموزعة على عدد من المواقع الاخبارية الخاصة بالمغرب العربي نكتشف تراجعا ملحوظا في الفعاليات المتعلقة بالبحث العلمي كالملتقيات و هي الجانب الكلاسيكي غير الحيوي بمنظومة البحث العلمي ففي المغرب الأقصى على سبيل المثال قررت الحكومة المغربية منذ إنتشار جائحة الكورونا إلغاء مختلف الفعاليات الثقافية المزمع تنظيمها بأراضيها و لنا على سبيل الذكر ” الجائزة الكبرى للجيدو ” بالعاصمة الرباط ، كما تم تأجيل ” طواف المغرب للدراجات ” فضلاً عن إلغاء ” المعرض الدولي للفلاحة بمكناس”،

و هي إجراءات بالرغم من اثرها السيئ على السمعة الثقافية للقطر المغربي إلا أنها إستثمار هام على الصعيد الانساني ذلك أن هدفها الأساسي هو أمن و سلامة المواطن المغربي عبر عدم تعريضه لخطر التعرض لفيروس الكورونا المستجد.

في تونس لا تختلف الأوضاع كثيراً حيث علقت مختلف الأنشطة العلمية و اغلقت كافة المؤسسات الجامعية ابوابها حيث تشهد البلاد التونسية تغير في الاستراتيجيات المسيرة للبحث العلمي حيث تم اعتماد منهج التدريس عن بعد و بينما فضل عدد من المدرسين الباحثين تمكين طلبتهم من مختلف الدروس النظرية عبر وضعها على ذمتهم في إحدى المنصات الرقمية فضل صنف ثاني التواصل مع الطالب عبر فيدوهات تعلميية و هو أسلوب أكثر ديناميكية و شداً للطالب المعتاد على التواصل الانساني المباشر مع الاستاذ.

أما في الشقيقة الكبرى الجزائر فرغم مردودها المحتشم في مجال الرعاية الصحية مقارنة بدول مثل تونس إلا أنها أبدت خلال الأزمة الصحية الراهنة الكثير من الحماس و الجاهزية إذ أكد في هذا الصدد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، شمس الدين شيتور، ووزير الصناعة و المناجم فرحات آيت علي براهم في تصريح للصحافة على هامش زيارة إلى مركز تطوير التكنولوجيات المتقدمة تندرج في إطار مساهمة قطاع التعليم العالي و البحث العلمي في المجهود الوطني لمكافحة وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، على ضرورة مد يد العون الاقتصادي و اللوجستي للباحثين في المجال الطبي و هو الحل الوحيد المتوفر حالياً لمجابهة الفيروس سواء عبر عبر التنسيق بين وزارتي الصناعة و البحث العلمي لصنع معدات طبية على مستوى محلي أو التسريع بانتداب المزيد من الأطباء لتتم الإحاطة بكافة الحالات المصابة و تأطيرها على كافة المستويات.

أما بالنسبة لليبيا فإننا لا نملك أية معطيات دقيقة حول أفاق البحث العلمي هذه الفترة بسبب من تعقيدات الوضع السياسي على أمل أن تنفرج الامور في القريب العاجل.

أما بالنسبة لموريتانيا فلم نرصد تغيراً في أفاق البحث العلمي هذه المدة ربما كونها تعد من أقل الدول المغاربية تضرراً من هذا الفيروس لكنها بالمقابل اتخذت حزمة من التدابير الهامة على الصعيد الاقتصادي حيث أعلن الرئيس الموريتانى محمد ولد الشيخ الغزوانى عن إنشاء صندوق خاص للتضامن الاجتماعي ومكافحة فيروس كورونا، بلغت مساهمة الدولة فيه خمسة وعشرين مليار أوقية ومفتوح أمام من يرغبون في المساهمة فيه. فضلاً عن تعبيره على إستعداد الحكومة الموريتانية هذه الفترة لتوخي سياسة جبائية أكثر مرونة و من أهم معالمها تحمل الدولة عن أرباب الأسر العاملين في قطاع الصيد التقليدي كافة الضرائب والإتاوات المترتبة على هذا النشاط طيلة بقية السنة.

عطفاً على ما اتخذته بعض الدول المغاربية لتعزيز دور البحث البحث العلمي خلال هذه الفترة العصيبة لكل الدول دون إستثناء برز نوع جديد من الباحثين في اختصاصات مختلفة ككمال الرياحي و هو كاتب تونسي تعاظم أثر منتوجه خلال فترة الوباء لتقديمه مادة علمية دسمة قائمة على تقديم مقالات علمية في السوسيولوجيا و النقد الثقافي مستفيداً من دراساته العليا في مجال اللغة و الحضارة العربية و معولاً على موهبته الفطرية في الكتابة و التحليل ، كمال الذي يبدو متبرماً من إنتشار الاحتكار و غلاء الأسعار يجد في دوره كناقد و مثقف عضوي مساهمة بسيطة في تخفيف الأثار السلبية لفيروس الكورونا على الاقتصاد الوطني و المشهد الثقافي في آن؛

و من الباحثين الذين أسهمو في رفع وعي الجمهور الافتراضي بالمنطقة المغاربية الصحفي و الباحث في علم الإجتماع السياسي رياض الصيداوي الذي قدم منذ بداية تفشي فيروس الكورونا في المنطقة سلسلة من الفيديوهات في شرح بديع للتغيرات الاستراتيجية و السياسية التي ستطرأ على العالم بسبب من فيروس الكورونا واضعا مجموعة من الخطوط العريضة التي قد تشكل البناء الفكري لنهضة إقتصادية و علمية بمنطقة المغرب العربي مقترحاً مجموعة من السياسات العامة في مجال التعليم و الدبلوماسية الاقتصادية كالتحول من دولة فلاحية إلى صناعية ،و إستبدال شركائنا الاقتصاديين التقليديين باصدقاء قادرين على مد يد العون لنا تكنولجياً و معرفياً لأياديهم البيضاء في مجال التنمية و الذكاء الصناعي كالهند التي يبلغ مؤشر نموها الاقتصادي حوالي 7 بالمئة سنويا مع محاولتها التعتيم على هذه النجاحات للطبع الكتوم للشعوب الأسيوية.

رغم الدور المهم الذي قام به بعض الباحثين الملتزمين في مجال العلوم الإنسانية و مساهمتهم في الحد من محاولات إثارة البلبلة و الترويج للاخبار الكاذبة و هي حركات افتراضية يتزعمها بعض المنافقين و محترفي الدجل و الشعوذة كزعمهم القدرة على علاج وباء الكورونا عبر بعض التعاويذ و الحشائش الطبية إلا أن هذا الدور هو نظري بحت فالبحث الذي نحتاج أن يكون له أفاق واعدة ونسق سريع في التطور الآن هو البحث العلمي في الطب و الاختصصات المتفرعة عنه لا غير.

و قد عرفت هذه البحوث إزدهاراً نسبياً في تونس هذه الفترة و قد تميزت هذه الجهود الفردية في مجال البحت العلمي في بالطابع العفوي و الانساني البحت و الهادف بالآساس إلى تحسين جودة الرعاية الطبية -و الخدمات الصحية المقدمة لتجاوز جائحة الكورونا و من الأمثلة التي ننوه بها في هذا الاطار مجهودات الشباب الواعد بسيدي بوزيد حيث سلم لمعهد العالي للدراسات التكنولوجية بسيدي بوزيد منذ أيام أول ممر تعقيم آلي ذكي للمستشفى الجهوي في انتظار توفير بعض الممرات الأخرى.

و هناك مثال أخر مشرف ينبغي أن أذكره و هو صنع ألة تنفس صناعي تعمل بالأكسيجين من قبل طلبة مدرسة المهندسين بالمنستير و فضلاً عن الأهمية البالغة لهذا الانجاز ينبغي أن أذكر أنها لم تتطلب من هذا الشباب الواعد معرفياً سوى بضعة اسابيع و هو دليل ممتاز على ذكاء الشباب التونسي و قدرته على الخلق و الابداع إن اتيحت له الفرصة المناسبة لذلك،

لكن ينبغي أن نذكر أن هذا الشباب الذي يحاول إنقاذ مستقبل البحث العلمي لم تقدم له الدولة أمراً يذكر سوى مجانية التعليم و المجانية لا تعني بالضرورة جودة البرامج التعليمية و قدرتها على الإستجابة للمقاييس العالمية،

و من الأدلة التي نأسف لذكرها تذيل الجامعات المغاربية لقائمة أفضل الجامعات في العالم و هو تقهقر لا يعود إلى الامكانات ألذهنية المحدودة لسكان منطقة المغرب العربي بقدر ما هو مرتبط بعوامل إقتصادية بنيوية من ضمنها الميزانية الهشة المخصصة للبحث العلمي بهذه المناطق مقارنة بمستوى الانفاق على قطاعات أخرى على أهميتها إلا أنها لن تنجح في انتشال البلاد من براثن جائحة الكورونا و تحقيق النمو الاقتصادي المرجو.

في الفترات السابقة لبروز جائحة الكورونا و من ضمن هذه النفقات تخصيص ميزانيات ضخمة للمهرجانات الثقافية و الامتيازات العينية الممنوحة لرجال السياسة كالسيارات الادارية الفخمة و مع أهمية قطاع الثقافة إلا أن مداخايلها جد متواضعة كون المنطقة المغاربية عكس المشرق لم تنجب أدباء تحصلوا على جائزة نوبل للاداب كنجيب محفوظ أو صحفيين تخطت شهرتهم الأفاق كمحمد حسنين هيكل ، لكنها منطقة زاخرة بالنوابغ في المجال العلمي كالطبيب القيرواني إبن الجزار و إبن رشد الأمازيغي الذي لقب بالمعلم الأكبر ،و يوسف إبن تاشفين و لنا في الحاضر أيضاً أمثلة مشرفة كهشام جعيط المصنف كأعظم المفكرين الذين عرفهم القرن العشرين و محمد الأوسط العياري و هو عالم فضاء مرموق في وكالة الفضاء الأمريكية.

و فضلاً على مساهمة المتميزين في اللبحث العلمي في تحقيق الاشعاع العلمي لسكان منطقة المغرب العربي على مستوى منطقة الشرق الأوسط على الاقل فإن أفكارهم تترجم إلى عديد الانجازات التي تحقق الكثير من النفع على المستوى الإقتصادي سواء عبر تحويل منجزاتهم إلى براءات إختراع أو تنسيقهم مع خبراء من خارج البلاد لتنظيم ندوات و دورات تكوينية بمنطقة المغرب العربي نظراً للدور الذي قد تلعبه السياحة العلمية في الترويج للمنطقة.

و رغم تنويهنا بمحاولة الباحثين العلميين الشبان في المنطقة المغاربية فترة الوباء إلا أن هناك حدوداً يجب أن نذكرها و لعل أهمها ارتطام طموح الشباب الواعد بواقع إقتصادي و إجتماعي من إستقرار مالي و امكانات مالية و لوجستية معقولة تخوله تحقيق انجازات أكبر في ميدان البحث العلمي فيكون مضطراً إذا كان ينتمي إلى طبقة ميسورة إلى تمويل بحوثه بصفة ذاتية أو السفر إلى أحد دول الاتحاد الاوروبي الشريك التقليدي للبلدان المغاربية و هناك سيتعرض إلى صعوبات أكثر تعقيداً و إستنزافاً لطموحاته و طاقاته البحثية و من الأمثلة التي نسوقها في هذا الاطار التصريحات المسيئة للافارقة في فرنسا عبر اقتراحهم تجربة لقاح معالجة الكورونا الذي لم يكتشف بعد على مواطنين من القارة الافريقية بالرغم من مساهمة الأفارقة بنصيب الأسد في البحوث المنجزة في المختبرات الفرنسية ، و إن كان الأمر على هذه الشاكلة بالنسبة للذكور تتضاعف صعوبة هذا الأمر بالنسبة للاناث بسبب من النزعة الذكورية المتفشية في النسيج الاجتماعي للمجتمعات المغاربية حيث يحدث أن نجد فتيات لهن مواهب فائقة في البحث العلمي و يحرمن من إتمام دراستهن و السفر خارج حدود البلاد للتعمق في موضوع اختصاصهن الجامعي و هنا يطرح اشكال يخرج عن نطاق موضوعنا و هو العنف الاقتصادي و لو أنه لا يقل أهمية عن العوائق التي ذكرناها سابقاً.

هناك حد أخر يجب أن نذكره و هو غير مرتبط بجائحة الكورونا و هو مرتبط أساسا بالتنافسية بين الدول المغاربية و دول الشرق الأوسط على إعتبار أننا ننتمي للفضاء الحضاري العربي فتونس مثلاً و هي من أهم أربع بلدان مصدرة للكفاءات بمنطقة شمال إفريقيا إلا أنها لم تقطع اشواطاً في البحوث النووية كإيران و لم تنجب اراضيها عالماً تحصل على جائزة نوبل في الكيمياء كالدكتور أحمد زويل المصري أو عالمة رياضيات مرموقة تتوج جائزة فيلدز للرياضيات ك الإيرانية مريم ميرزاخاني و هي أول سيدة تحصل على ميدالية فيلدز في الرياضيات و عموما هناك مجموعة من التوصيات التي بالإمكان لم عملت على تطبيقها الدول المغاربية عن تحسن من مردودها في البحث العلمي على المدى الطويل أو المتوسط :

  • رقمنة الأدارة و الدراسة فرغم مجانية التعليم لا ينتمي كل شباب المغرب العربي إلى طبقة قادرة على تغطية نفقاته المعيشية فضلاً على مصروف جيبه بينما الرقمنة عطفاً على أنها ستحل جانباً من مشاكله الاقتصادية سيقدر على تلقي تكوين إضافي يخوله لفرض نفسه في سوق الشغل لاحقاً .

 

  • تعويض اللغة الفرنسية كلغة ثانية بلغات واعدة على الصعيد الاقتصادي و المعرفي كالصينية و الألمانية و الإنجليزية ،و هو خيار براغماتي بحت فاللغة الفرنسية رغم أنها لغة جد مهمة و لا غنى عنها بالنسبة للباحثين في حقل العلوم الإنسانية ، كون أهم فلاسفة القرن العشرين قد أتوا من الفضاء الحضاري الفرنسي كإدغار موران و جان بول سارتر لكن اللغة الفرنسية عجزت أن تكون لغة علوم و تكنولوجيا و حتى على إستيعاب جوانب من العلوم الإجتماعية فالمختصين الواعدين في حقل العلوم السياسية كإميل دوركهايم مثلاً أتوا من الولايات المتحدة لا من فرنسا و جهل الطالب باللغة الإنجليزية قد يفوت عليه فرصة في تحرير رسالة ماجستير أو دكتوراة قيمة.

 

  • إلغاء العمل بمناظرة البكالوريا و إجراء اتبعته عديد الدول المتمتعة بمردود محترم في التنمية و البحث العلمي ككوريا الجنوبية و فنلندا فأن نقيم ذكاء الشخص ذكاء الشخص بناء على أعداده في المرحلة الثانوية يعني حتماً أن نقصي من التاريخ عديد الانجازات العظيمة لعقول جبارة كعبقري الرياضيات رامنوجاًن العضو بالجمعية الملكية البريطانية في مطلع القرن العشرين لأنه لم يتم دراسته العليا في الاختصاص الذي نبغ فيه أو ألبرت اينشتاين الذي يعد أهم عقلية عرفها القرن العشرين على الاطلاق كونه لم يتحصل على شهادة البكالوريا سوى اثر سنوات طويلة من الرسوب و الإخفاق.

 

  • تعديل الشروط المتعلقة باسناد المنح لطلبة الدكتوراة و عدم منحها بصفة ألية بالنسبة لتونس على سبيل المثال حيث يمكن أن يكون التحصل عليها مستنداً إلى شروط تحسن من مردودية الطالب في البحث العلمي كتعلم لغة أجنبية أو حضور ورشات تكوينية في الكتابة الإبداعية إذا كان موهوباً في جنس أدبي معين حيث أن الإنفتاح على أفاق معرفية لم يتمكن الباحث الشاب من اكتشافها بين مدارج الجامعة بوسعه أن يسهل عملية الحصول على شغل لاحقاً .

Related Posts
Total
20
Share