Dark Light

“رغم وجود العديد من الشركات الأجنبية التي تنشط في صحراء تطاوين إلا أنني عاطل عن العمل منذ تخرجي من الجامعة في عام 2011. الحكومة تماطل رغم وضوح مطالبنا”.

أحد المعتصمين بالكامور

تعيش ولاية تطاوين منذ سنوات على وقع الاحتجاجات للمطالبة بالتشغيل وتخصيص جزء من مداخيل الثروات الطبيعية لتنمية المنطقة. وعادت هذه الاحتجاجات مجدّدا في شهر أفريل 2020 لتنتقل للمرة الثانية بعد 2017 من مدن ولاية تطاوين إلى عمق الصحراء فيما يعرف باعتصام الكامور، حيث تم غلق محطة ضخ البترول هناك. وأصبح شعار ”الرخ لا” شعارا للاحتجاجات في الجهة يُكتب على جدران البناءات في كل أنحاء ولاية تطاوين كدليل على إصرار المحتجين وعدم نيتهم التراجع عن مطالبهم في التشغيل والتنمية حتى يتم تنفيذ مطالب الجهة.

أثّرت هذه الوضعية سلبا على الإنتاج اليومي من المحروقات في المنطقة التي تراجعت خلال فترة غلق صمّام الكامور خلال الفترة من 16 جويلية 2020 إلى 6 نوفمبر 2020، من 16 ألف برميل من النفط و2 مليون متر مكعب من الغاز التجاري إلى ما يقارب 4600 برميل من النفط و670 ألف متر مكعب من الغاز التجاري وذلك حسب أرقام رسمية.

وتعود هذه الوضعيّة إلى عدم قدرة الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2017 على تنفيذ الاتفاق الذي تعهّدت به، ووجدت نفسها أمام خيارين صعبين، إمّا فضّ الاعتصام بالقوة أو الاستجابة إلى طلبات المعتصمين في فترة حرجة اقتصاديا نظرا لشح الموارد وجائحة الكورونا التي فاقمت الأزمة.

وأثار هذه الوضع عديد الأسئلة حول طرق الاستفادة من الثروات الطبيعية المتواجدة بولاية تطاوين وكيف يمكن الالتزام بما جاء في الدستور التونسي على غرار ـ”التمييز الإيجابي بين الجهات” و”تخصيص نسبة من المداخيل المتأتية من استغلال الثروات الطبيعية للنهوض بالتنمية الجهوية على المستوى الوطني”. ومن أهم الأسئلة المطروحة:

⦁ ماهي الأسباب الحقيقية وراء تعطّل التنمية بجهة تطاوين؟
⦁ أية مقاربة تنموية مستدامة وشاملة في منطقة تزخر بإمكانيات وثروات طبيعية متنوعة؟
⦁ هل أن إعادة استنساخ المقاربات القديمة على غرار إحداث شركات البيئة والتشغيل الهش في بعض القطاعات هو الحل؟
⦁ كيف يمكن التوفيق بين الحلول التنموية دون الإخلال بالنجاعة الاقتصادية وجاذبية الاستثمار في المنطقة؟
⦁ هل سيغير اتفاق الكامور 2020 بصفة جذرية من الواقع التنموي بالجهة؟ وكيف يمكن الاستفادة من هذا الاتفاق لإرساء مقاربة تنموية جديدة تضمن العدالة بين الجهات ولا تكرّس منطق الجهويات والعروشية وتبني دولة القانون وتضمن الوحدة الوطنية؟
⦁ أية منهجية للحوار والتوافق بين مختلف المتدخلين (الحكومة، السلطات الجهوية والمحلية، الشركات، المجتمع المدني والمواطنين) لإرساء السلم الاجتماعية في الجهة وبناء الثقة.
تلك هي بعض الأسئلة التي يحاول برنامج مشاورات طرحها للنقاش على المشاركين في لقاءات ثلاث جمعته بممثلي الإدارات الجهوية والمحلية والمجتمع المدني والمواطنين بولاية تطاوين.
⦁ اللقاء الأول عُقد مع منظمات المجتمع المدني والنشطاء والنقابات بهدف مناقشة التحديات الرئيسية بالمنطقة والاطلاع على القضايا الملحّة للمجتمع المحلي خاصة فيما يتعلق بالإشكاليات التنموية والبطالة وديناميكية الاحتجاجات.
⦁ اللقاء الثاني عُقد مع المسؤولين المحليين لعرض المخرجات الرئيسية للقاء الأول مع المجتمع المدني والتعرف على دورهم والإشكاليات التي تواجههم في إنجاز مهامهم وتشريكهم في صياغة توصيات تُدرج ضمن مخرجات مشاورات.
⦁ اللقاء الثالث وهو الجولة الأخيرة من مشاورات وجمع بين أطراف اللقاءين الأوّلين: المجتمع المدني والمسؤولين الجهويين والمحليين وذلك في إطار اجتماعات أوسع نطاقا تهدف إلى بناء حوار بينهم للتوافق حول السياسات وتقديم حلول للقضايا الرئيسية التي تم تناولها في الجولتين الماضيتين من مشاورات.

تشخيص الوضع التنموي في منطقة تطاوين من خلال الأرقام وآراء المواطنين :

أهمية الثروات الطبيعية في ولاية تطاوين:

تستأثر ولاية تطاوين بحوالي 45,7 % من الإنتاج الوطني للنفط سنة 2019 أي 16 ألف برميل نفط يوميا. من خلال استغلال عديد الحقول أهمّها آدم، البرمة، وشروق ودرة وعناقيد شرقي وبئر بن ترتر، سندس ومؤخرا حقل نوارة الذي دخل مرحلة الإنتاج في شهر فيفري 2020، وإضافة إلى ذلك، تنتج الولاية كميات هامة من الغاز الطبيعي.

وللإشارة فإن أغلب الشركات الناشطة في قطاع استخراج المحروقات بولاية تطاوين هي شركات أجنبيّة بالشراكة مع المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية. مثل OMV، SITEP ،ENI ، Sirinus Energy، THANI. بالإضافة إلى عشرات شركات الخدمات.

أما من حيث المداخيل فإن الأرقام المتوفرة هي أرقام إجمالية لا تمكّن من تحديد دقيق لمداخيل مختلف الشركات الناشطة في المنطقة خلافا لما نصت عليه مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية التي تستعد تونس للانضمام إليها قريبا.

لكن المنطقة تزخر أيضا بثروات طبيعية أخرى لكنها غير مثمّنة أو مستغلة بالقدر الكافي مثل:

⦁ الجبس المتوفر بجهة مستاوة ووادي الغار بكميات هامة ونوعية جيدة.
⦁ الرخام المتواجد في كل معتمديات الولاية وخاصة قصر المرابطين ووادي الخيل والمزار وبني احمد والرهاش والدويرات.
⦁ الرمـال الغنية بمادة السيليس المتواجدة في مناطق الدويرات وقصر أولاد دباب وبئر عمير وأم ذياب وآوني بذهيبة والتي يمكن استغلالها في الصناعات الحديثة كصناعة البلور وبعض الأجزاء من الحواسيب…
⦁ الطاقات المتجددة (288 يوم مشمس في السنة).

المؤشرات التنموية بمنطقة تطاوين:

رغم أهمية الثروات الطبيعية في المنطقة فإن نسبة البطالة بولاية تطاوين تبلغ تقريبا 32,4 %. مقارنة بنسبة بطالة على المستوى الوطني في حدود 15,4 %، وتعد ولاية تطاوين الولاية التي بها أعلى نسبة بطالة في تونس طيلة خمس سنوات متتالية.

فبالرجوع إلى إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء، بلغت نسبة البطالة بتطاوين على سبيل الذكر 51 % سنة 2012 و32% سنة 2016. فمن مجموع 149453 ساكن حسب التعداد السكاني لسنة 2014 (ثاني أقل عدد سكان ولاية في تونس) يبلغ عدد العاطلين عن العمل بالولاية 12085 نصفهم من الذكور ونصفهم من الإناث. علما بأنّ حوالي 36% منهم من أصحاب الشهائد العليا أي حوالي 4500 عاطل. وحسب بعض المشاركين في مشاورات فإن من بين العاطلين عن العمل مهندسون في مختلف الاختصاصات لم يتمكنوا من دخول سوق الشغل بالولاية ويعيشون حالة بطالة طالت مدتها. وأمام هذه الوضعيّة اقترح المشاركون في مشاورات، الإسراع في إعداد قاعدة معطيات شاملة للبطالة بالولاية. تحدّد مختلف الشهائد العلميّة لأبناء الجهة وخارطة توزيعهم على مختلف المناطق بالولاية ويمكن أن تعتمد كمرجع في بلورة السياسات التنموية بالجهة بما يساهم في الحد من نسبة البطالة.

كما جاءت الولاية في المرتبة 12 في مؤشر التنمية الجهوية لسنة 2018، والمرتبة 20 في مؤشر جاذبية الجهات للاستثمار بعنوان سنة 2015 هو دليل آخر على الإشكالات التنموية التي تعرفها الجهة.

لا مركزية صورية:

أكّد المشاركون في “مشاورات” أنّ أغلب القرارات الإدارية التي تخص الجهة يتم اتخاذها على المستوى المركزي، في حين يقتصر دور السلطة الجهوية والمحلية في العديد من القطاعات على إعداد الملفات ومتابعتها لاحقا. وقد أدّت هذه الوضعيّة في جزء منها إلى ضعف نسبة إنجاز عديد المشاريع العموميّة بالولاية. حيث بقيت العديد منها دون تنفيذ ممّا أدّى إلى إضعاف دور السلطة الجهوية، التي تجد نفسها في أغلب الأحيان في مواجهة مطالب سكّان الجهة دون القدرة على الاستجابة إليها ممّا ساهم في مزيد تأزم الوضعية.

وأمام فشل الهياكل المركزية في حلّ المشاكل بولاية تطاوين، اعتبر المشاركون في مشاورات أنّ تطبيق لامركزية حقيقية وتمكين السلط اللامركزية من آليات عمل ناجعة أصبح أكثر من ضروري حتى يتم اتخاذ القرار على المستوى المحلي القريب من الواقع والعارف بأهم التفاصيل والمشاكل التي تعيشها الجهة.

ضعف الخدمات العمومية المقدمة:

تشكو الخدمات العمومية الأساسية بالجهة على غرار الخدمات الصحيّة والتربوية ضعفا فادحا، فبالرّجوع إلى مختلف الإحصائيات المتوفرة وآراء المواطنين بالجهة حول درجة رضائهم على الخدمات المقدمة في هذين المجالين الهامين، يتبين عدم رضاء أغلب مواطني ولاية تطاوين على جودة الخدمات المقدمة كمّا وكيفا.

ويعتبر قطاع الصحة بولاية تطاوين دون المستوى المطلوب مقارنة بالمستوى الوطني، حيث يشكو نقصا فادحا في عدد الأطباء وأطباء الاختصاص أو غيابهم في أغلب الاختصاصات مثل طب النساء والتوليد، العيون، القلب والإنعاش. ويبلغ عدد الأطباء 102 طبيبا موزعين بين 21 طبيب مختصا و81 طبيب طب عام بالنسبة لـ 150532 ساكن حسب إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2017، ونقص التجهيزات الطبية المتطوّرة على غرار آلات التصوير الطبي والتحاليل وسيارات الإسعاف المجهّزة. كما أنه في حال توفّرها لا يمكن استغلالها بشكل كامل نظرا لعدم توفر الإطار المختص. هذا بالإضافة إلى النقص على مستوى العديد من الأدوية وعدم قرب هذه الخدمات من مقرات السكنى حيث يضطر بعض المواطنين إلى قطع مسافات هامة للحصول على الخدمات الصحية، إذ يبلغ معدلها حوالي 59 كلم (130 كلم بالنسبة للذهيبة) للوصول إلى المستشفى الجهوي الوحيد بولاية تطاوين وهي المسافة الأعلى في تونس. كما يبلغ معدل المسافة التي يقطعها المواطن ليصل إلى أقرب مستشفى جامعي عام 307 كلم وهي ثاني أعلى متوسط مسافة في البلاد بعد توزر بـ 333 كلم.

وأدى هذا النقص الفادح في الإمكانيات البشريّة والماديّة وانخرام الخارطة الصحيّة بالجهة في بعض الحالات إلى تسجيل حالات وفاة كان يمكن تفاديها على غرار تلك المتعلّقة بوفاة 5 نساء حوامل على النفاس سنة 2015 لم يجدن سبيلا للولادة في مستشفى تطاوين.

أما بخصوص الخدمات التعليمية والتربوية بالجهة، فإن الولاية تشكو أيضا عديد النقائص، فعلى سبيل الذكر انطلقت السنة الدراسية 2020/2021 في ولاية تطاوين بنقص في إطار التدريس قدّرته الإدارة الجهوية للتربية بقرابة 350 مدرّسا بين التعليم الابتدائي والثانوي خاصة في المناطق الريفيّة التي تشهد نفورا من قبل المدرسين. كما أنّ الانقطاع المبكر عن الدراسة يساهم بجزء هام في انتشار البطالة بالولاية.

وكمؤشر حول تدني جودة التعليم فإنّ ترتيب الولاية في مؤشر نسب النجاح في البكالوريا (الدورة الرئيسية) خلال الفترة 2016-2020، كان كالآتي:

سنة الدورة الرئيسية

نسبة النجاح (%)

الترتيب على المستوى الوطني / 26

2016

18.29

19

2017

24,64

22

2018

21,14

25

2019

21,80

24

2020

17,61

26

وقد تسبّب تردّي الخدمات العمومية في هجرة العديد من المتساكنين بالولاية سواء الهجرة الداخلية أو الخارجية وذلك بحثا عن مناخ عيش أفضل تتوفّر فيه مقومات العيش الكريم والمرافق العموميّة الضروريّة، وهو ما أدّى إلى ضعف نسبة النمو السكاني بالولاية والتي تبلغ 4‚0 % سنويا رغم أن نسبة الولادات بها تبلغ 08‚2%.

محدودية التنوع الاقتصادي:

تتمثّل أهم الأنشطة الاقتصادية بولاية تطاوين في الفلاحة الرعوية وتربية الماشية والإبل والخدمات والغراسات البعلية والصناعات الاستخراجية التي تبقى طاقتها التشغيلية ضعيفة مقارنة بقطاعات أخرى كالخدمات مثلا حيث لا تشغل إلّا 5 % من اليد العاملة وذلك بدون احتساب شركات البيئة. ومن جهة أخرى، تعتمد المنطقة على التحويلات المالية من أبناء الولاية المهاجرين بالخارج باعتبار أن المنطقة تعتبر من أكثر المناطق التي يوجد بها مهاجرون بالخارج.
لكن رغم أهمية الموارد الطبيعية ووجود جالية في الخارج، فإن ولاية تطاوين تعتبر ولاية المتناقضات اجتماعيا واقتصاديا. فتوفّر موارد طبيعية هامة كالجبس والرخام والرمال والسيليس والمحروقات والمياه المعدنية والمراعي بالإضافة إلى إمكانات سياحية مهمة (القصور الصحراوية)، لم تتمكّن من امتصاص معدل البطالة المرتفع خاصة في غياب نسيج صناعي قوي في المنطقة يكون الأقدر على استيعاب البطالة بالمنطقة. هذا مع هيمنة القطاع غير المنظم الذي يستقطب عددا كبيرا من الشباب العاطل عن العمل ويرتكز بالأساس على التجارة الموازية وتهريب المحروقات.
وقد اعتبر المشاركون في مشاورات أنّ عروض الشغل المتوفرة، تتعلق أساسا بحرف وأعمال يدوية مثل قطاع المقاولات أو في القطاع الفلاحي إلا أنها تعرف عزوفا من أبناء الجهة.
فضلا عن ذلك، فإن إشعاع الشركات الناشطة في قطاع النفط والغاز على المنطقة لم يكن هاما ولم تلعب دور القاطرة في مجال التنمية، فاعتماد المحتوى المحلي لتوفير خدمات ومواد (قطع غيار، صيانة، صناعات بتروكيميائية…) كان محدودا باستثناء بعض المجالات كالخدمات الصحية والنقل والإعاشة.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت مواطن الشغل الظرفية والهشّة في التهريب والماشية والزيتون والتجارة والبناء تراجعا نظرا لارتباطها بالوضع الأمني بليبيا وبالظروف المناخيّة.
ومن خلال المؤشرات السابقة يتّسم المنوال التنموي الاقتصادي الحالي بولاية تطاوين بـ:

⦁ محدودية فرص العمل وخاصة بالنسبة لخريجي التعليم العالي،
⦁ تسجيل تقلبات موسمية هامّة في مستوى الطلب على اليد العاملة بسبب التقلب في الإنتاج الفلاحيّ والصناعي والسياحة بالجهة،
⦁ محدودية الاستثمار بالمنطقة باستثناء الصناعات الاستخراجية.
⦁ ضعف استغلال عديد الثروات المهمة (الجبس، السيليس…)
⦁ انخفاض في القيمة المضافة للمنتوجات المحلية للمنطقة.
⦁ غياب نسيج صناعي وخدماتي مرتبط بالصناعات الاستخراجية وهو ما أدى إلى عدم القدرة على التفاعل مع طلبات الشركات البترولية (الخدمات…)

ضعف جاذبية الاستثمار بتطاوين:

تعدّ جاذبية الاستثمار بولاية تطاوين ضعيفة بالرغم من الامتيازات المقدمة. ولعلّ ارتفاع مخاطر الاستثمار في جهة تطاوين يجعلها منطقة منفّرة بالنظر إلى عدم توفر بنية تحتية متكاملة لا تقتصر فقط على الطرقات بل تشمل أيضا الاتصالات ومناخ العيش (صحة، تعليم، ترفيه…) وأيضا كثرة الاحتجاجات والاعتصامات وغلق الطرقات والبعد عن المطار والموانئ وغياب نسيج اقتصادي متكامل.
ومن جانب آخر، تعتبر المشاكل العقارية (رسوم عقارية مجمدة وأراضي اشتراكية) أحد أهم العوائق أمام استغلال هذه الثروات. فبالرغم من توفر مخزون هام من الجبس بالجهة على سبيل المثال لم تتمكّن عديد الشركات من استغلاله نظرا للإشكاليات العقارية. هذا بالإضافة إلى إشكالية المنطقة العسكرية المغلقة الذي يعتبر سببا في تعطل إنجاز عديد المشاريع.

تعدد الاحتجاجات وتعطيل الإنتاج:

أصبحت تطاوين في الفترة الأخيرة ومنذ أحداث الكامور في 2017 و2020 أحد أكثر المناطق التي تشهد تحركات اجتماعية والتي تحولت في عديد المرات إلى أحداث عنف. وأحداث الكامور التي كانت في بداياتها احتجاجات اجتماعية رفعت فيها مطالب التشغيل والتنمية بالمنطقة تحوّلت بسرعة إلى اعتصامات أُغلق خلالها صمّام الكامور لفترات طويلة. فأمام عدم استجابة وتفاعل السلطة الإيجابي مع هذه المطالب في الإبّان وتزايد وعي المواطنين بأهمية الثروات الطبيعية وبحجم الشركات البترولية العاملة بالجهة، ارتفع سقف المطالب وتصاعدت معه وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية والإضرابات المطالبة بحقها بجزء من هذه الثروات. وتأججت هذه الاحتجاجات مجددا في أفريل 2020 بعد أن تعطّل تنفيذ اتفاق الكامور لسنة 2017. وحسب تصريح لرئيس الحكومة فإن توقف ضخ المحروقات بمحطة الكامور بولاية تطاوين كلف الدولة خسائر بـ800 مليون دينار.

الانعكاسات البيئية:

إن طبيعة المشاريع الهامّة المنتصبة بولاية تطاوين تعتمد بالأساس على استخراج النفط والغاز وكذلك بعض المقاطع والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات بيئية سلبية على الجهة منها:
⦁ تلوث الهواء من خلال الانبعاثات التي تنتجها منشآت استخراج النفط والغاز والتي يمكن أن تكون مستمرة أو متقطعة على غرار الاحتراق لغرض توليد الطاقة والحرارة والملوثات التي تنبعث نتيجة إشعال وتنفيس الهيدروكربونات.
⦁ تلوث الماء من خلال المياه المستعملة والمستخرجة من باطن الأرض وإمكانية إعادة استعمالها ورسكلتها.
⦁ تسرب النفايات الصلبة والسائلة على غرار سوائل الحفر والرمال المستخرجة وسوائل إنجاز الآبار وسوائل تحسين القدرة الإنتاجية.
⦁ التسربات التي تحدث في المرافق البرية والمتمثلة في خطوط الأنابيب والتي تحدث بسبب أعطال المعدات والحوادث والخطأ البشري أو غيرها.
⦁ الاستغلال المفرط للمياه الجوفية مما أدى إلى تراجع منسوب المياه الجوفية وتدهور جودة المياه بالمنطقة.

حلول لم تحقق التنمية :

اتفاق الكامور:

بعد اعتصام دام أكثر من أربعة أشهر خلال سنة 2017 في محطة الضخ بالكامور، وتعطّل إنتاج المحروقات بالولاية، تكبّدت الدولة خلاله خسائر كبيرة بلغت حسب تصريح وزير التشغيل آنذاك 400 مليون دينار، أمضت الحكومة التونسيّة وممثلين عن المعتصمين اتفاقية في 26 أوت 2017 تم بمقتضاها الاتفاق على انتداب 3000 شخص من الولاية في شركة البيئة والغراسة والبستنة (1500 في 2017 و1000 في 2018 و500 في 2019) وانتداب 1500 شخص في شركات الإنتاج والخدمات البترولية العاملة بالصحراء (1000 في 2017 و500 في 2018)، وتخصيص مبلغ 80 مليون دينار تونسي سنويا لصندوق التنمية والاستثمار بتطاوين وعدم التتبع العدلي لكل من شارك في الاحتجاجات. لكن، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على إمضاء الاتفاق، لم يتم تنزيله كليا على أرض الواقع ولم تطبق منه إلا جزء من الانتدابات في شركات البيئة.

وأدى ذلك إلى اندلاع الاحتجاجات من جديد في سنة 2020 للمطالبة باستكمال الانتدابات وخاصة في الشركات البترولية وصرف مبلغ 80 م.د سنويا بعنوان صندوق التنمية. وقام المحتجون مجددا بغلق صمام الكامور ودخلت الحكومة في مفاوضات مع المحتجين إلى أن تم التوصل إلى اتفاق بتاريخ 06 نوفمبر 2020 وتتمثل أهم عناصر هذا الاتفاق فيما يلي:

⦁ رصد 80 مليون دينار سنويا لصندوق التنمية،
⦁ انتداب 1000 عون وإطار بشركات البيئة قبل موفى 2020،
⦁ تمويل 1000 مشروع في شكل قروض قبل موفى 2020،
⦁ انتداب 215 عونا بالشركات البترولية سنة 2020 و70 عونا في 2021،
⦁ انتداب 70 عونا بالشركات البترولية بعنوان 2021،
⦁ تصنيف شركة البيئة كمؤسسة عمومية تحت إشراف وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري وتخضع لزيادات القطاع العام،
⦁ إنشاء خمسة شركات جهوية (الوطنية للجبس، للإعاشة والاقامة، للأشغال العامة والخدمات البترولية والطاقية، لنقل الاشخاص والمعدات والمواد، للفلاحة واستصلاحها وتطويرها بتطاوين) قبل موفى 2021 مع تعهد الشركة الايطالية التونسية لاستغلال النفط بتكليف مكتب دراسات للإشراف على مراحل تركيز الشركات.
⦁ صرف 18 مليون دينار في إطار برنامج المسؤولية المجتمعية لشركات البترولية،
⦁ توفير 100 قرض لتمويل مشاريع بقيمة 2،2 مليون دينار،
⦁ رصد 1،2 مليون دينار للجمعيات التنموية،
⦁ رصد 2،6 مليون دينار لبلديات الجهة،
⦁ رصد 1،2 مليون دينار لجمعية اتحاد تطاوين لكرة القدم.
وواجه هذا الاتفاق مواقف متناقضة، بين مرحّب به باعتبار نجاح الدولة في فضّ الاعتصام دون اللجوء إلى العنف وعودة ضخ المحروقات، وبين من اعتبره ضربا لهيبة الدولة التي استسلمت لضغط المحتجين وقدّمت وعودا لن تكون قادرة على الإيفاء بها في المستقبل وأن هذا الاتفاق سيفتح الباب أمام انتشار الاحتجاجات في العديد من المناطق الأخرى. لكن يبقى التساؤل الأهم هو هل سينجح هذا الاتفاق إن نُفّذ في خلق تنمية مستدامة في المنطقة؟

الانتداب في شركات البيئة والغراسة:

بلغ عدد الأعوان بشركة البيئة والغراسة بتطاوين خلال سنة 2019 حوالي 2534 وسيتم انتداب 500 عون لاستكمال اتفاق سنة 2017 إضافة إلى من سيتم انتدابهم تطبيقا لاتفاق 2020. وتطورت الأعباء المالية للأعوان بهذه الشركة خلال الفترة 2016-2019 كما يلي:

 

2019 2018 2017 2016 السنة
2534 1534 34 34 عدد الأعوان
28601075 1624946 350231 66489 أعباء الأعوان بالدينار
أرقام وزارة الطاقة والمناجم 2020

وعمل المشرفون على هذه التجربة في بداياتها على تجاوز النقائص التي عرفتها في مناطق أخرى كقفصة وقابس من خلال:

⦁ السعي إلى إسناد مهام وأعمال واضحة للأعوان المنتدبين من خلال توزيعهم على مختلف المصالح الجهوية والمساهمة في الحد من نقص الأعوان في العديد من الإدارات الجهوية والبلديات.
⦁ إرساء رقابة على الأعمال التي يقوم بها هؤلاء الأعوان ومتابعتهم،
⦁ تحقيق مداخيل ساهمت في تغطية 10 % من تكاليف شركات البيئة.
وفي مقابل ذلك أعرب العديد من المشاركين في مشاورات عن تخوفهم من الآثار السلبية لإحداث شركات البيئة للأسباب التالية:
⦁ ضعف مردودية مواطن الشغل في شركات البيئة وتأثيرها السلبي على التنمية المستدامة في المنطقة.
⦁ عدم وضوح دور هذه الشركة وحوكمتها وتنظيمها.
⦁ صعوبة تأقلم الأعوان المنتدبين في الهياكل التي يعملون بها كالمؤسسات التربوية.
⦁ عزوف العاطلين عن العمل عن الاشتغال في قطاعات أخرى كالبناء والفلاحة في انتظار انتدابهم بشركة البيئة
⦁ عزوف الشباب عن المبادرة والاستثمار.
⦁ ضعف مداخيل شركة البيئة واعتمادها على تحويلات الدولة.
⦁ محدودية حجم السوق في تطاوين بما يحد من مردودية هذه الشركة ولا يسمح بتطورها وإبرام صفقات جديدة لدعم مداخيلها.
⦁ محدودية التعامل بين الشركات البترولية وشركة البيئة (اتفاقيات مع الشركات البترولية لم ينفذ فيها الا اتفاق وحيد).
⦁ تواصل الاحتجاجات حول التأجير بشركة البيئة للترفيع فيه أو خلاص المتخلدات من الأجور.

برنامج المسؤولية المجتمعية:

رغم وجود برنامج للمسؤولية المجتمعية انخرطت فيه 4 شركات نفطية وطنية وأجنبية منذ 2016 (ETAP–WINSTAR-PERENCO– MAZARINE) وخصص له مبلغ 11،6 مليون دينار لدفع التنمية في ولاية تطاوين والذي تسيره المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية، فإن هذا البرنامج لم يحقق الأهداف المرجوة منه ولم يساهم في الحد من حالة الاحتقان. فرغم أهمية المبلغ المرصود فإن إشكاليات عديدة مازالت مطروحة تتعلق بحوكمته وكذلك بقدرته على إحداث مواطن الشغل:

⦁ حسب التقارير الصادرة فإن البرنامج لم يحدث إلا 700 موطن شغل وهو عدد ضعيف مقابل المبالغ المرصودة،
⦁ لا يتدخل البرنامج إلا بـنسبة 25 % لتمويل المشاريع عبر بنك تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة،
⦁ العديد من شباب المنطقة ليس لديهم اطلاع حول محتوى هذا البرنامج وآلياته،
⦁ تركيز أغلب المشاريع في مركز الولاية دون المناطق والمعتمديات الأخرى وخصوصا منها التي توجد بها الحقول النفطية،
⦁ عدم تشجيع المشاريع المحلية التي تدعم المحتوى المحلي لمساندة الصناعات الاستخراجية،
⦁ ضعف متابعة المشاريع الممولة،
⦁ عدم تحيين قائمات الجمعيات المشاركة في إعداد برنامج التدخل.
ورغم صدور القانون عدد 35 لسنة 2018 مؤرخ في 11 جوان 2018 المتعلق بالمسؤولية المجتمعية للمؤسسات فإنه يبقى قانونا غير ملزم للشركات، حيث لم يحدد نسبة تمويل هذا البرنامج من طرف الشركات كما أن الآليات الموضوعة لمراقبة تنفيذ التزاماتهم محدودة، هذا بالإضافة إلى عدم صدور الأوامر التطبيقية المتعلقة بتنفيذه.

غلق مناطق الإنتاج واعتبارها منطقة عسكرية:

”الصحراء التونسية مينجمش يدخلولها التوانسة إلا بهذه الورقة اللي تعرف بكارت الصحراء وتسلم من الولاية ويلزم الوالي يكون مصحح فيها بخط يده”.

أحد شباب ولاية تطاوين

على إثر صدور أمر رئاسي في جويلية 2017، أُعلنت مواقع الإنتاج والمنشآت الحساسة والحيوية، والفضاءات المحيطة بها، مناطق عسكرية محجّرة. ويعتبر العديد من المشاركين في مشاورات أن هذه الرخصة ساهمت في تأزيم الوضع في المنطقة وحالت دون استغلال العديد من الثروات بها. كما اعتبر بعضهم أن أغلب رخص الصحراء التي تمّ إسنادها تغلب عليها المحسوبية، وشبهوها ”بجواز سفر دولة الصحراء الشقيقة”، معتبرين أن هذه البطاقة تحد من حرية تنقلهم في محيطهم الجغرافي وهو ما يعتبر مخالفا لأحكام الدستور التونسي. وتَحُول رخصة الصحراء دون استفادة أهالي تطاوين من الثروات الطبيعيّة المهمة التي يمكن أن تكون مورد رزق لعدد منهم على غرار المرعى والفلاحة والترفاس والسياحة وغيرها من الانشطة التي ترتبط بالصحراء.

منوال تنموي فاشل:

”إلى متى ستضل الحكومات المتعاقبة تعتمد على سياسة إطفاء الحرائق في تعاملها مع الأزمات والاحتجاجات وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والذي يمكن أن يهدد وحدة الدولة وأمنها؟”

لقد أثبت المنوال التنموي المعتمد في تونس فشله في بناء نظام اقتصادي واجتماعي منصف ومتوازن يضمن توزيعا عادلا للثروة ويقدّم خدمات ومرافق عمومية لائقة، ويحدّ من ظاهرتي الفقر والبطالة وتفاوت التنمية بين مختلف جهات البلاد. فالمنوال التنموي الذي اعتُمد منذ السبعينات والذي تركّز في المناطق الساحلية، والقائم على التصدير في إطار صناعات ذات قيمة مضافة محدودة وتشغيل يد عاملة ذات تكوين ضعيف ومتوسط مثل النسيج لم يعد قادرا على استيعاب العاطلين وخصوصا منهم أصحاب الشهائد العليا. كما أن هذا المنوال ساهم في تعميق الهوة التنموية بين الجهات لعدم ارتباطه بالمناطق الداخلية فهو لا يساهم في تثمين منتوجاتها كالمنتجات الفلاحية والطبيعية. وتواصل هذا الوضع بعد الثورة، بل ازداد سوءا بعد أن تكرست ثقافة المطلبية التي تقوم على التشغيل المكثف في القطاع العام والذي يصعب أن يتحول إلى رافعة للاقتصاد التونسي وقادرا على تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة نظرا للإشكاليات الكبيرة في مستوى حوكمته.

مقترحات مشاورات:

إن تواصل الاحتجاجات والاعتصامات بولاية تطاوين هو دليل على أزمة عميقة بالجهة تتطلب حلولا هيكلية تغيّر الوضع بصفة جذرية، لا حلول وقتية مفروضة تحت الضغط. ولئن نصّ الدستور التونسي على العديد من الحلول مثل مبدأ التمييز الإيجابي أو تخصيص جزء من مداخيل الثروات الطبيعية للجهات إلا أن هذه الحلول تبقى مجرد حبر على ورق مالم يوضع تصور متكامل لآليات تنفيذها.

نحو تصور تنموي جديد في الجهة:

أمام الوضعيّة المتردية التي أصبح عليها الاقتصاد التونسي وفشل التصور التنموي الذي أصبح عاجزا على امتصاص الأعداد الكبيرة من العاطلين والذي ساهم في تكريس تفاوت جهوي كبير، أصبح من الضروري إعادة النظر في المنوال التنموي الحالي بصفة شاملة وتشاركية بين مختلف الأطراف الفاعلة لإيجاد حلول لمختلف الإشكاليات التي أصبحت هيكليّة لا تقتصر فقط على بعض الجهات الداخلية على غرار منطقة الجنوب الشرقي. ويتطلب هذا الأمر وضع تصور جديد يقوم على تثمين ثروات الجهات والاستفادة منها وفقا لمنوال تنموي وطني شامل، يكون قادرا على الخروج بها من الأزمة الاقتصادية الهيكلية واستقطاب الأعداد الكبيرة من العاطلين وخاصة من أصحاب الشهائد العليا. ويمكن أن يكون ذلك من خلال:

⦁ إنشاء أقطاب تنموية في كل الجهات اعتمادا على التقسيم اللامركزي الجديد القائم على الأقاليم، والتي ستتحول إلى أقطاب اقتصادية تشع على كامل الجهة. ويمكن أن تكون ولاية تطاوين وكامل منطقة الجنوب الشرقي قطبا للطاقة بما فيها الطاقات المتجددة وكذلك قطبا لتحويل العديد من الثروات الطبيعية الأخرى (الجبس، الرخام، الفلاحة…). ويمكن تعميم هذا المنوال على بقية المناطق بخلق أقطاب أخرى حسب الثروات المتوفرة في الجهات، مثل قطب للصناعات الغذائية بالشمال الغربي، وقطب للخدمات في الشمال الشرقي وآخر لصناعة مكونات السيارات بالوسط. وهو ما يساهم في إعادة مركزة التنمية حول ثروات الجهة وخلق ديناميكية متكاملة بين مختلف القطاعات والجهات بدل أن تكون منعزلة عن محيطها كما هو الحال في المنوال التنموي القديم القائم على التصدير دون ارتباط بالجهة، النسيج مثالا.
⦁ بناء توافق حقيقي حول الحلول المقدمة وإدماج كل الموارد والطاقات وعدم إقصاء القوى الفاعلة.
⦁ تقديم حلول تقوم على الابتكار والخروج من القوالب القديمة. وتمثّل أزمة الكورونا فرصة لإعادة النظر في هذا الوضع وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية على المستوى الوطني وفقا لتوجهات قطاعية وجهوية تضمن قيمة مضافة عالية.
⦁ توفير بنية تحتية متكاملة لا تقتصر فقط على الطرقات بل تقوم على خلق بيئة متكاملة تشجع على الاستثمار في الجهات بما فيها الخدمات الصحية والاتصالية والترفيه ومراكز البحث والمؤسسات التعليمية.

إمكانية تخصيص جزء من مداخيل المحروقات للتنمية بالجهة:

⦁ إمكانية تخصيص جزء من مداخيل المحروقات للتنمية بالجهة
تضمّن اتفاق الكامور لسنة 2017 تخصيص مبلغ 80 مليون دينار سنويا لصندوق التنمية والاستثمار في تطاوين. ويمكن أن يتنزل هذا الاتفاق ضمن تفعيل أحكام الفصل 136 من الدستور الذي ينص على أنه: ”يمكن تخصيص نسبة من المداخيل المتأتية من استغلال الثروات الطبيعية للنهوض بالتنمية الجهوية على المستوى الوطني”. لكن لم يرد ضمن الاتفاق أية تفصيل حول طريقة التصرف في هذا المبلغ وأوجه استعمالاته والجهة المكلفة بذلك وطريقة تقييم مردوديته. ورغم اعتبار البعض أن مبلغ 80 مليون دينار سنويا غير كاف نظرا لمتطلبات الجهة من استثمارات، إلا أنه لا يجب تكرار أخطاء الماضي وتحويل هذا الصندوق ذو البعد التنموي للجهة إلى صندوق اجتماعي يوفّر أموالا لبعض المستحقين دون مردودية وآثار إيجابية على المنطقة. وهو ما يتطلب خاصّة:

⦁ تقديم رؤية واضحة لطرق تمويل صندوق التنمية والاستثمار والتصرف فيه وتحديد الأهداف المطلوب تحقيقها.
⦁ تحديد المشاريع ذات الأولوية التي سيموّلها صندوق التنمية والاستثمار ضمن جدول زمني مضبوط.
⦁ إرساء ألية التصرف في الصندوق في إطار مبادئ اللامركزية والشفافية والتشاركية.
⦁ ضبط آليات تقييم ورقابة مستقلة (البرلمان، المجتمع المدني) لمردودية هذا الصندوق.

تحمل الشركات النفطية بتطاوين لمسؤوليتها الاجتماعية:

إن التأكيد على دور الدولة لدفع التنمية بولاية تطاوين لا يعني استقالة الشركات النفطية وتخلّيها عن مسؤولياتها الاجتماعية. حيث لا يجب أن يقتصر دور هذه الشركات على استخراج الثروات الباطنية دون تحمّل مسؤوليتها عن الأضرار البيئية أو الاجتماعية التي قد تسببها كنتيجة مباشرة لأعمال استخراج النفط والغاز (تلوث الماء والهواء…). وهي مطالبة أيضا في بالمساهمة في مجهود التنمية بالجهة مع المحافظة على النظام البيئي لفائدة الأجيال القادمة حتى تتمكن من تفادي مختلف الاضطرابات الاجتماعية التي قد تعطلها عملية الاستخراج.

ويتطلب ذلك العمل على إلزام الشركات الناشطة في مجال استخراج المحروقات والغاز والراغبة في العمل في المنطقة، بالمسؤولية وتعزيز التنمية المحلية والمساهمة في خلق نسيج اقتصادي متنوع وقوي يساهم في تخفيف الضغوط الاجتماعية في المنطقة ويكون ذلك مثلا بشراء السلع والخدمات المصنعة أو المقدمة محليا وتخصيص نسبة من اليد العاملة بهذه الشركات إلى أبناء الجهة وكذلك نسبة من عقود الإعاشة والمناولة لفائدة شركات منتصبة بولاية تطاوين.

حوكمة قطاع المحروقات:

من بين مطالب المحتجين أيضا كشف الحقيقة حول حجم الثروات الطبيعية ومداخيلها، فرغم التحسن المهم في شفافية قطاع المحروقات فإن حالة عدم الثقة في المعطيات المنشورة حول حجم الثروات الطبيعية مازال متواصلا. فشفافية قطاع المحروقات في تونس تحسّنت خاصة بعد نشر معطيات مفتوحة، محينة ومفصلة حول الإنتاج. وكذلك بعد نشر عقود المحروقات في بوابة البيانات المفتوحة لوزارة الصناعة. كما أن تونس تستعد حاليا للانضمام إلى مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية بعد إعلان رئيس الحكومة ذلك في شهر جوان 2019 وتكوين مجلس أصحاب المصلحة الذي يضم ممثلين عن الحكومة والشركات والمجتمع المدني. وتعد هذه الخطوات مهمّة لتعزيز شفافية وحوكمة هذا القطاع وساهمت في تحسين ترتيب تونس ضمن مؤشر حوكمة الموارد الطبيعية حيث تحصلت على المرتبة 26 عالميا والأولى عربيا في مجال حوكمة قطاع المحروقات. لكن ما يزال هذا القطاع يشكو عديد النقائص نظرا لعدم نشر معطيات مهمة كالمداخيل المتأتية من المحروقات بصفة مفصلة حسب الشركات والحقول وكذلك دراسات التأثيرات البيئية والاجتماعية وتقارير التدقيق في برامج المسؤولية المجتمعية للشركات وعقود الخدمات. وهو ما يساهم في تواصل حالة عدم الثقة والتشكيك في حوكمة هذا القطاع وتواصل التساؤل حول حجم الثروات الطبيعية.

سياسة متكاملة لدعم المحتوى المحلي:

يعتبر دعم المحتوى المحلي أحد الحلول الأساسية لخلق التنمية في مناطق الإنتاج والتي نجحت في اعتمادها العديد من الدول التي بها ثروات طبيعية مثل أندونيسيا ونيجيريا. وقد اعتمدت تونس جزئيا هذه السياسة في بداية الستينات لمّا عملت على خلق أقطاب صناعية في المناطق الداخلية يرتبط نشاطها بالثروات الطبيعية في هذه المناطق وتكون نواة لتطوير الاقتصاد بها وذلك مثل القصرين بإنشاء مصنع الحلفاء أو قفصة وقابس حول إنتاج الفسفاط. إلا أن هذا التوجه لم يشمل منطقة الجنوب الشرقي وتطاوين بالخصوص من خلال إنشاء قطب حول الطاقة. وعلى إثر فشل سياسة التعاضد تم التراجع عن هذا التوجه وانتقل الاقتصاد التونسي في السبعينات نحو اقتصاد قائم على التصدير في مجالات ذات قيمة مضافة ضعيفة بطاقة تشغيلية تستقطب عمالا غير مؤهلين.
لكن فكرة دعم المحتوى المحلي بجهة تطاوين تواجهها تحديات كبرى نظرا لعدم وجود نسيج اقتصادي متكامل وشركات قادرة على توفير الدعم والمساندة في العديد من المجالات التقنية للشركات النفطية. أما التحدي الثاني فيتعلق بكفاءة وقدرات اليد العاملة المحلية على الاستجابة لحاجيات هذه الشركات وغيرها من الشركات المساندة في قطاع معروف بضعف قدرته التشغيلية وحاجته إلى يد عاملة عالية الكفاءة وبتكوين عالي في اختصاصات دقيقة. وهو ما يتطلب سياسة واضحة في هذا المجال تقوم على:

⦁ دراسة دقيقة لحاجيات الشركات النفطية من اليد العاملة دون المساس من توازناتها الاقتصادية.
⦁ اعتماد إطار قانوني يمكّن من إعطاء الأفضلية في العمل لأبناء الجهة مع مراعاة الحاجيات الحقيقية للشركات.
⦁ مسك سجل لكفاءات الجهة العاطلة عن العمل،
⦁ تسليط ضرائب عالية على انتداب عملة أجانب،
⦁ إدراج بنود ضمن العقود النفطية وكذلك عقود الخدمات تفرض انتداب حد أدنى من الأعوان من الجهة،
⦁ ضبط نسبة مئوية من السلع والخدمات التي يمكن شراؤها أو إنتاجها من الشركات الناشطة في المنطقة مع ضرورة التأكيد على أهمية ضمان جودة الخدمات وتنافسيتها.
⦁ منح نقاط إضافية للشركات والمزودين المحليين.
لكن يمكن لمتطلبات المحتوى المحلي خلق عدد من المشاكل منها عدم جودة الخدمات التي تقدمها شركات الخدمات المحلية أو انتداب أعوان بلا كفاءة نظرا لعدم توفر منافسة حقيقية عند الانتداب وإمكانية انتشار الفساد في الصفقات المعتمدة. ولتفادي هذه الإشكاليات يجب وضع سياسة كاملة تساهم فيها الشركات تقوم على:
⦁ تطوير قدرات الشركات بالجهة على توفير محتوى محلي بجودة عالية،
⦁ توجيه القروض وآخرها ما تم الاتفاق عليه في اتفاق الكامور 2020 نحو القطاعات ذات الأولوية لمساندة الشركات.
⦁ تطوير وتحسين القدرة التنافسية لطالبي الشغل في الجهة وبناء قدرات الشباب وتطوير مهاراتهم في منطقة تطاوين في المجالات ذات الأولوية حسب حاجيات الشركات.
⦁ خلق بيئة صديقة للأعمال بالجهة تشجع على الاستثمار مثل الحوافز الضريبية والمالية وإطار ملائم للاستقرار بالجهة.

بناء حوار دائم وتشاركي يكون فيه للسلطات المحلية دور أساسي حتى تستعيد ثقة المواطنين:

إن نجاح المنوال التنموي الجديد يجب أن يكون مبنيا على الحوار والتوافق مع مختلف المتدخلين سواء كانت أطراف حكومية أو شركات ومستثمرين ومجتمع مدني محلي ومواطنين وشركاء اجتماعيين لتضمن انخراطهم الفاعل جميعا في مختلف المبادرات. وتمثّل مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار على المستوى الجهوي والمحلي أوّل الطريق لبناء الثقة المفقودة مع الدولة. ويكون ذلك بإحداث أطر مشتركة بين الدولة والمجتمع المدني والمواطنين، تتسم أعمالها بالشفافية (المجلس الجهوي، المجالس البلدية…)، ويساهم المواطنون فيها بالتعبير عن مشاغلهم وتقديم مقترحات تأخذ بجدية. كما يجب أن تضمن هذه الأطر مشاركة مختلف الفاعلين وخاصة الفئات الأكثر هشاشة (المرأة والشباب). وأن تناقش هذه الاجتماعات الإشكاليات الحقيقية للمنطقة من بطالة وتلوث وآثار اقتصادية واجتماعية.

وتعني المشاركة التوقف عن التعامل مع المتساكنين كمجرد ضحايا أو كحالات اجتماعية أو محتجين يتم التعامل معهم أمنيا، بل يجب التعامل معهم كشركاء في اتخاذ القرار والبحث عن الحلول وضمان استدامتها ويمثل تكريس آليات اللامركزية خطوة أساسية تساهم في الاقتراب من مشاغل المواطنين لتعزيز مستوى اتخاذ القرار على المستوى الجهوي والمحلي على أن يتم بناء القدرات البشرية وتوفير الامكانيات المادية لتأطير عملية المشاركة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts
Total
2
Share